الواحدي النيسابوري
116
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
هذا متّصل بقوله : وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ لِكَيْلا تَحْزَنُوا ؛ لأنّ في عفو اللّه ما يذهب كلّ غمّ وحزن ، وما فاتهم : هو الغنيمة « 1 » . [ وَلا ما أَصابَكُمْ ] يعنى الهزيمة والجراح . قوله : وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ تذكير للتّحذير . 154 - قوله : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً قال المفسّرون : إنّ المشركين لمّا انصرفوا يوم أحد كانوا يتوعّدون المسلمين بالرّجوع ، ولم يأمن المسلمون كرّتهم « 2 » ؛ وكانوا تحت الجحف متأهّبين للقتال ؛ فأنزل اللّه تعالى عليهم - دون المنافقين - أمنة ، فأخذهم النّعاس . قال ابن عبّاس : آمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد خوف ، وإنّما ينعس ( من يأمن ) « 3 » ، والخائف / لا ينام . وقال أبو طلحة : رفعت رأسي يوم أحد ، فجعلت لا أرى أحدا من القوم إلّا وهو يميد تحت حجفته « 4 » من النّعاس . قال : وكنت ممّن ألقى عليه النّعاس يومئذ ، وكان السّيف يسقط من يدي فآخذه ، ثم يسقط السّوط من يدي فآخذه « 5 » . و « الأمنة » مصدر ، كالأمن . « 6 » يقال : أمن فلان يأمن أمنا وأمنة وأمانا . و « النّعاس » بدل من الأمنة . قوله : يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ قرئ : بالياء وبالتّاء « 7 » ، فمن قرأ بالياء ؛ فلأنّ النّعاس هو الغاشى .
--> ( 1 ) ب : « من الغنيمة » . ( 2 ) ب : « من كرتهم » ، ج : « كيدهم » . ( 3 ) ج : « من أمن » والمثبت عن أ ، ب ، و ( الدر المنثور 2 : 352 ) و ( تفسير القرطبي 4 : 242 ) . ( 4 ) الحجفة : قال ابن سيده : هي من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض : ( اللسان - مادة : حجف ) . ( 5 ) هذا الأثر أخرجه البخاري - بلفظ قريب منه - في ( صحيحه - كتاب تفسير القرآن ، من سورة آل عمران ، باب أَمَنَةً نُعاساً 3 : 114 ) ، وأخرجه الترمذي - عن أنس ، عن أبي طلحة ، بنحوه - في ( صحيحه - كتاب التفسير - سورة آل عمران 11 : 135 ، 136 ) ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وانظر ( تفسير ابن كثير 2 : 125 ) و ( تفسير القرطبي 4 : 242 ) و ( الدر المنثور 2 : 353 ) . ( 6 ) الأمنة : الأمن ، قال ابن قتيبة وغيره ، وفرق آخرون فقالوا : الأمنة تكون مع بقاء أسباب الخوف ، والأمن يكون مع زوال أسبابه : ( البحر المحيط 3 : 85 ) و ( تفسير القرطبي 4 : 241 ) ، وانظر ( تفسير غريب القرآن لابن قتيبة 114 ) و ( معاني القرآن للزجاج 1 : 493 ) . ( 7 ) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر : يَغْشى طائِفَةً بالياء ، وقرأ حمزة والكسائي : تغشى بالتاء ( السبعة في القراءات 217 ) ، وانظر توجيه القراءتين في ( معاني القرآن للزجاج 1 : 494 ) و ( معاني القرآن للفراء 1 : 240 ) و ( البحر المحيط 3 : 86 - 87 ) و ( إتحاف الفضلاء 180 ) .